الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2008

بائع الدم ..


حين أتخذت مجلسى المعتاد على الشيزلونج الصغير المكسو بالجلد البنى الذى يشبه كرسى طبيب الأسنان و كشفت عن ذراعى فى حركة آلية مستسلمة لم يكن الدكتور محسن قد اٍنتهى بعد من النكتة التى كان يحكيها لى عن واحد صعيدى لا أذكر ما فعل و لما أنتهى منها اٍنفجر فى الضحك السمج و هو يغرز سن الأبرة الغليظ بوريدى الذى أمتلأ بالثقوب و العلامات الزرقاء كعيون منخل مهلهل .. أمرنى بأن أفرد كفى الذى قبضت به على الهواء بقوة .. و ما بدأ خيط الدم القانى فى السريان بالأنبوب المطاطى الرفيع حتى خلع ببراعة عن ساعدى الرباط المطاطى الذى شده بقوة لينفر الوريد أمام ناظريه .. كنت أراقب فى صمت الكيس البلاستيكى الشفاف الذى تتجمع فيه الدماء النازفة من جسدى و لم يكف الطبيب عن هزه برفق منعا لتجلطه .. قال ببساطة :
- عليك ببعض الراحة فدمك بدأ يفقد لزوجته من كثرة بيعه ..
هززت رأسى بلا مبالاة و فردت أصابعى و ضممتها عدة مرات لحث الدماء على التدفق ..
لما أنتهي من ملأ القربة ناولنى الطبيب قطعة قطن صغيرة تناولها من جيب معطفه الأبيض المبقع بنقاط دماء البائعين .. ضغطت بها بشدة على مكان غرز الأبرة فى ذراعى .. و أخرج من جيب آخر رزمة من الجنيهات عد منها خمسة عشر جنيها و دس خمسا فى جيب ثالث .. تناولت منه النقود شاكرا و دعوت عليه فى سرى أن يصيبه الله بأمراض الدنيا جزاء اٍستيلائه على خمسة جنيهات من ثمن دمائى كان يحصل عليها كاٍتاوة من كل متبرع نظير عدم رفض دمائه بحجة فسادها و عدم صلاحيتها للتبرع !!
لما عدت للمنزل كنت منهكا للغاية و قد مشيت ما يقارب الساعة منذ غادرت المستشفى الخاص قرب ميدان فينى بالدقى حيث أعتدت بيع ربع لتر من دمائى يوما بعد يوم حتى وصلت للبيت قرب ميدان الكيت كات .. اٍرتميت على أول كرسى قابلنى ألتقط أنفاسى و أجفف عرقى فى كم قميصى .. أطلت زوجتى و وقفت قبالتى صامتة بوجهها العبوس المكفهر و شعرها المنكوش كغولة مخيفة شابكة ذراعيها فوق صدرها كعادتها قبل اٍصطناع المعارك التى لا تنتهى و خاصة حين أفقد وظيفة و أعطل عن العمل .. بغير كلام أخرجت من جيبى عشرة جنيهات ناولتها اٍياها فى صمت و أحتفظت بالخمسة الباقية لشراء علبة سجائر و اٍلتهام عدد من ساندوتشات الكبده لتعويض الدم المبيع كما سمعت من زملائى المتبرعين .. قلبت النقود فى اٍشمئزاز و دستهم فى صدرها و غادرتنى و هى تلعن الحياة و اليوم الذى تزوجتنى فيه .. أطرقت فى صمت و قد نهش الحزن قلبى و لعنت فى سرى الحياة و اليوم الذى تزوجتها فيه !!

هناك 11 تعليقًا:

مفكر يقول...

السلام عليكم::

طرحت قضية عميقة جداً من خلال القصة القصيرة دية،،

الفقر دفع الناس إنها تبيع نفسها أجزاء علشان تعيش،،ودنياهم مش دنيا،،الست قرفانة ومنعكشة والراجل مهدود حيله معندوش دم،،فين الحياة،،

دمت سالماً أ/ عمرو

خمسة فضفضة يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحكايه اثرت فيّ جدا و حسيت اني عاوزه اعيط علي الواقع الاليم اللي ناس كتير فيه ميتين بالحيا ومش لاقيين حتي قوت يومهم ، وبقوا مدفوعين دفع لبيع اي شئ عشان يقدروا يعيشوا حتي لو كانوا هايبيعوا اجزاء من جسمهم


--------

متشكره علي مشاعر حضرتك الطيبه ، الناس دي ما ينفعش معاها الا التجاهل وتفويض الامر لربنا هو اللي ياخد لكل واحد حقه


سلام

صبرني يارب يقول...

باحب اقرا قصصك جداااااااااا

ياريت تطبعها او تسجلها على الاقل

مش مجامله

اي حد يعرفنى هايقولك انى مش بتاعةكده

~*§¦§ Appy §¦§*~ يقول...

مش حرام ليه تنكد على الناس حرام بجد
بس عارف اللى بيبيع دمه بكده ان الدم ده اصلا بيتباع بأغلى بكتير
بس فعلا فيه ناس محتاجه وفعلا فيه زوجات مش جدعان حرام عليك هو انا ناقصه الدنيا تسود قدامى تانى

أحــوال الهـوي يقول...

صديقي القص البارع
لن اسهب بالمديح فقد اعتدت ان تتلقاه من الجميع

سلمت يداك
و كل سنة و انت طيب يا راجل يا طيب

نازل اعيد في مصر تأمر بشئ من الرياض
اامر تجاب

تحياتي

شمس وقمر يقول...

قصة مثيرة لكثير من المشاعر
ولكنها في النهاية تصب في بوتقة الإشفاق على حال الإنسان المصري

دمت بخير
تحياتي

من غير عنـــوان يقول...

رائع
مخيف
واقعي

تناول متمكن


تحياتي

غير معرف يقول...

الالم بنضجنا وبيزدنا عمق وإنسانية والحزن بيطهرنامن الشرور اللى اتخلقنا بيها وفى النهاية بيظهر الانسان الحقيقى اللى ظاهر دلوقتى فى قصصك..شوفت عمق تجربتك طلعت موهبتك إزاى..تحياتى ياأخى الانسان

غير معرف يقول...

الالم بنضجنا وبيزدنا عمق وإنسانية والحزن بيطهرنامن الشرور اللى اتخلقنا بيها وفى النهاية بيظهر الانسان الحقيقى اللى ظاهر دلوقتى فى قصصك..شوفت عمق تجربتك طلعت موهبتك إزاى..تحياتى ياأخى الانسان

غير معرف يقول...

الالم بنضجنا وبيزدنا عمق وإنسانية والحزن بيطهرنامن الشرور اللى اتخلقنا بيها وفى النهاية بيظهر الانسان الحقيقى اللى ظاهر دلوقتى فى قصصك..شوفت عمق تجربتك طلعت موهبتك إزاى..تحياتى ياأخى الانسان

غير معرف يقول...

بحبك